الأربعاء، 10 فبراير 2010

من أجل تعاون سياسي واقتصادي وعلمي وثقافي أعمق بين أوزبكستان والدول العربية

من أجل تعاون سياسي واقتصادي وعلمي وثقافي أعمق بين أوزبكستان والدول العربية
كتبها أ.د. محمد البخاري: مستشار رئيس الجامعة في العلاقات الدولية، بالاشتراك مع د. سرفار جان غفوروف: عميد كلية العلاقات الدولية والاقتصاد بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية بتاريخ 27/1/2001. وأرسلت لصحيفة الإتحاد الظبيانية ونشرت في العدد الصادر يوم 29/1/2001
يلاحظ من تحليل الخطاب السياسي الأوزبكستاني، أن تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي بين جمهورية أوزبكستان والدول العربية هو من أهم أولويات سياسة الخارجية للجمهورية الفتية منذ استقلالها وحتى الآن. ويخضع هذا التوجه لاعتبارات جوهرية، من أهمها الأوضاع التي واجهتها الجمهورية الفتية منذ باكورة استقلالها عن الإتحاد السوفييتي السابق، وعبرت عن نفسها بجملة من المشاكل الملحة التي تقف في طليعتها مشكلة البحث عن طرق لخلق وتعزيز وتطوير الاقتصاد القومي، والتغلب على الصعاب التي خلفها وراءه الاستغلال الاستعماري الطويل، وهو ما يتطلب إقامة علاقات ثنائية وجماعية واسعة مع مختلف دول العالم. ومن دون شك يعتبر تطوير وتوسيع مجالات التعاون الثنائي بين جمهورية أوزبكستان والدول العربية كل على حدى، والجماعي عبر المنظمات الإقليمية (جامعة الدول العربية، مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والإتحاد الاقتصادي لجمهوريات آسيا المركزية، وغيرها) والدولية (منظمة الأمم المتحدة وهيآتها المتخصصة، وغيرها) لابد وأن يعزز ويقوي مركز جمهورية أوزبكستان في المجتمع الدولي.[1]
ويعتبر ذلك من الأهمية البالغة ليس لتطور أوزبكستان وحدها في المرحلة الراهنة بل ولتطور منطقة آسيا المركزية برمتها، وهي تعمل جاهدة من أجل حل الكثير من المسائل الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية الهامة جداً، خلال المرحلة الانتقالية من مرحلة الأنظمة الشمولية الاستعمارية إلى مستقبل التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والديمقراطي والمستقل في آسيا المركزية برمتها. وهنا لابد أن نشير إلى حقيقة هامة هي أن الكثير من الدول العربية والإسلامية يمكنها التحكم بالكثير من أذرع القيادة التي يمكن من خلالها التأثير بفاعلية على تطور الأحداث في مواقع الصراعات التي تحيط بآسيا المركزية، وتقديم مسببات دفع عملية التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصاد الوطني في المنطقة بشكل عام، إضافة لتعزيز الأمن والاستقرار الذي تحتاجه المنطقة لتحقيق خطط التنمية المستقبلية الطموحة.
فـ "أوزبكستان تقع عملياً في مركز نصف الدائرة الإستراتيجية الواقعة في المنطقة الغنية بمواقع استخراج النفط والغاز في الخليج، وحوض بحر قزوين، وحوض تاريم، وهذا يعني مصادر الطاقة في ظروف أزمة الطاقة الدولية ومطلوب منها (أي دول نصف الدائرة الإستراتيجية) أن تلعب في السنوات القريبة دوراً محدداً في مستقبل أوروبا والعالم بأكمله" كما أشار رئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف. [2]
وتعتبر أوزبكستان اليوم من كبار مصدري الغاز الطبيعي في رابطة الدول المستقلة، وتستورده منها بعض دول رابطة الدول المستقلة، ليشكل بذلك أحد عوامل استقرار الدخل الوطني الأوزبكستاني. وبعد اكتشاف الآبار الكبيرة للبترول في ولاية قشقاداريا في الجنوب، وولايات وادي فرغانة في الشمال خلال الفترة الأخيرة، توسع استثمار البترول الوطني لحد توفير الاكتفاء الذاتي للجمهورية من مشتقات البترول، بعد أن كانت أوزبكستان ولبضع سنوات خلت تستورد احتياجاتها من المشتقات البترولية من روسيا الاتحادية وقازاقستان المجاورة. وتتطلع أوزبكستان اليوم إلى أن تصبح في المستقبل القريب في عداد الدول المصدرة للبترول ومشتقاته، ولمنتجات الصناعات البتروكيماوية. ويشجع هذا الأمل الاحتياطي الكبير للآبار المكتشفة خلال العقد الأخير من القرن العشرين، ومنها البئر المكتشفة في منطقة منغبولاق عام 1992 الذي بلغ إنتاجه تحث تأثير الضغط الطبيعي عشرة آلاف متراً مكعباً من النفط في اليوم إلى أن تمت السيطرة عليه والتحكم باندفاع نافورة النفط بصورة طبيعية منه.
ويدرك المحللون الاقتصاديون والسياسيون الأوزبكستانيون أهمية امتلاك الدول العربية لصناعات بترولية متطورة، وتصدرها لقائمة المصدرين العالميين لهذه المادة الإستراتيجية الهامة، ويعتبرونها مجالاً واسعاً للتعاون المشترك في إنتاج وتصنيع البترول ومشتقاته والصناعات البتروكيماوية، التي يمكن أن تعتبر من المجالات الحيوية للتعاون العربي الأوزبكستاني، ومجالاً رحباً لتوظيف رؤوس الأموال العربية في المشروعات التي يمكن أن تشترك فيها الخبرات العربية الكبيرة أيضاً.
كما ويركز الخطاب السياسي لرئيس جمهورية أوزبكستان اهتمامه، على أن أوزبكستان تعتبر جزءاً من المنطقة التي تتعارض وتتصالب فيها المصالح الروسية والصينية والهندية، ومصالح الدول الكبرى في الشرق والغرب، فهي عملياً تقع عند ملتقى مراكز تشكل القوى الأوروبية. وهذه الميزة ومن دون أدنى شك تحدد ملامح طريق جمهورية أوزبكستان إلى القرن الحادي والعشرين، وما ينتظر أراضيها، وأراضي الدول المجاورة التي ستبقى هدفاً من أهداف المصالح الحيوية للدول المتقدمة، وبعض الدول القوية في آسيا، والدول القوية في العالمين العربي والإسلامي كتركيا وباكستان وإيران والمملكة العربية السعودية ومصر.
ونعتقد أنه من المفيد جداً تطوير التعاون الأمني والسياسي والاقتصادي والثقافي بين الدول المستقلة الجديدة في آسيا المركزية ودول المشرق العربي وفي مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وسورية وغيرها من الدول، وهو ما تفرضه قبل كل شيء المصالح الوطنية العليا للطرفين. وتدعوا بالدرجة الأولى إلى ضرورة تسريع الجهود في المستقبل القريب لخلق نوع من التكامل الاقتصادي والثقافي والسياسي والأمني في عصر العولمة والانفتاح الاقتصادي. وهنا تنبع أهمية تعزيز وتنويع العلاقات بين الدول المستقلة الجديدة والدول العربية التي يفرضها الموقع الهام الذي تشغله الدول العربية، ودول آسيا المركزية ضمن خارطة النفوذ في عالم اليوم.
وأهمية تطوير التعاون المشترك وتنويعه بين جمهورية أوزبكستان وجمهورية مصر العربية لا يقل أهمية عن أهمية وعمق التعاون بين أوزبكستان و الدول العربية. بسبب الأوضاع السياسية الداخلية الخاصة التي أخذت تتشكل اليوم في الشرق الأوسط، والظروف السياسية الحساسة التي فرضت على الدول العربية، علاقات ثنائية خاصة بين القيادتين السورية واللبنانية، والسورية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية والأردن، والأردن وسورية، ومصر وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية والعكس، والدول العربية والعراق والعكس، والتي تشكل بمجملها عدة عوامل إيجابية وسلبية في نفس الوقت.3 خاصة وأن النتائج الإيجابية المنتظرة لمحادثات السلام الإسرائيلية العربية تعتبر مطلباً هاماً ليس للفلسطينيين وحدهم بل ولمصر وسورية ولبنان والأردن وباقي الدول المعنية في الصراع العربي الإسرائيلي الطويل.
ولا أحد ينكر أهمية تطوير العلاقات الأوزبكستانية العربية، والدور الهام التي تلعبه السفارات العربية في طشقند، والسفارات الأوزبكستانية في العواصم العربية. فقد كان افتتاح أول سفارة عربية لمصر في طشقند حدثاً هاماً في تاريخ العلاقات المشتركة، تلاه افتتاح سفارات الأردن، وفلسطين، والجزائر، والسعودية. وكان الحدث الهام الثاني من السنوات الأولى للاستقلال افتتاح سفارات جمهورية أوزبكستان في القاهرة، والرياض، وقنصلياتها في دبي وجدة وغزة. وكان من ثمار العمل الدبلوماسي المشترك التحضير لتبادل الزيارات بين المسؤولين في الجانبين، للتوقيع على اتفاقيات هامة لكلا الجانبين، ومن بين تلك الاتفاقيات، اتفاقيات منع الازدواج الضريبي، والتعاون في المجالات التجارية والاقتصادية والمالية والصحية والزراعية والثقافية والشباب والنقل.4
ومصر الدولة التي بلغ عدد سكانها 56,8 مليون نسمة5(عام 1994)، وبلغ حوالي 59,5 مليون نسمة6 (عام 1999)، إضافة لإمكانياتها الطبيعية الهائلة، تشغل مكانة هامة على الخارطة السياسية للشرق الأوسط. وتشغل مصر من حيث معدلات نمو السكان الطليعة بين دول المنطقة. ومن التحليل الخاص لهذه الظاهرة نرى أن سكان مصر عام 2010 سيبلغون أكثر من 72,7 مليون نسمة.7 بينما تبلغ حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في مصر 660 دولاراً أمريكياً (عام 1996).8 ولولا الدعم المالي الذي تقدمه الدول العربية وخاصة دول الخليج العربية النفطية التي تساند مصر مالياً على الدوام، والعمالة المصرية في الخارج، والإصلاحات الاقتصادية الهادفة التي يقودها الرئيس حسني مبارك لواجهت مصر صعوبات بالغة للحفاظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
ومن بعض المؤشرات نرى أن مصر تتمتع بفرادة عندما تعتمد على السياحة كأحد المصادر الأساسية للدخل القومي وأصبحت السياحة من أهم مصادر الدخل وتشغيل اليد العاملة المصرية في مختلف المجالات الخدمية السياحية في الداخل. وبغض النظر عن محدودية حصة الفرد من الدخل القومي في مصر فالمراجع الإحصائية تظهر، أن الاستقرار الاقتصادي في مصر مستمر، رغم معاناته الشديدة بسبب الأزمة الخانقة التي سببتها حرب تحرير الكويت وتداعياتها المالية والاقتصادية، مما أثر على الدعم المالي الذي كانت تتلقاه مصر من الدول النفطية العربية في الخليج ولوحظ زيادته بعد الأزمة، لأن مصر احتلت موقع بارز في عملية التصدي للمشكلة وحلها. كما وأخذت اليد العاملة المصرية في الدول الخليجية العربية بمضاعفة دخل الخزانة المصرية من العملات الصعبة بمليارات الدولارات الأمريكية.9 ومن المشاكل الاقتصادية الصعبة التي تواجهها مصر اليوم، تسديد الديون والفوائد المترتبة على القروض الخارجية. التي بلغت 21 مليار دولار أمريكي في عام 1982، وبلغت حوالي 46 مليار دولار أمريكي في عام 1986، كما وتشير الإحصائيات الاقتصادية أنه في نهاية عام 1989 بلغت المديونية الخارجية 51 مليار دولار أمريكي.10 لتصل في نهاية عام 1995 إلى 54 مليار دولار أمريكي.11 وبغض النظر عن ضخامة الديون الخارجية كما يرى الباحثون، فالاقتصاد المصري يتطور بثبات، وهذا دليل على حكمة سياسة الحكومة المصرية التي يقودها الرئيس حسني مبارك. فالدور المتميز الذي يلعبة الرئيس محمد حسني مبارك في السياسة الخارجية، وفي العلاقات الاقتصادية الخارجية لمصر، لأكثر من عقدين، يحافظ على سمعة واستقلال وسيادة مصر والشعب المصري. ونعتقد أنه لا شائبة على سياسة الاعتماد المتبادل التي تتبعها مصر والدول الخليجية العربية من أجل تعزيز الاعتماد على الذات من أجل المحافظة على السيادة والاستقلال، وهي حافز لغيرها من الدول في العالم.
وتشير بعض نتائج البحوث العلمية الأوزبكستانية أن مصر دائماً تقوم بتعزيز سياستها الخارجية المستقلة، وهي في ذلك تتشابه كثيراً مع جمهورية أوزبكستان، وهي النتائج نفسها التي تشير إلى تطور التعاون الثنائي بين أوزبكستان ومصر. إذ تتطور العلاقات التجارية والاقتصادية المشتركة باضطراد، ويجب الإشارة هنا إلى أن التعاون المشترك حالياً منصب قبل كل شيء على الإمكانيات والقدرات التكنولوجية المتوفرة لدى الطرفين انطلاقاً من مبدأ المنفعة المتبادلة وبهدف توسيع القدرات الإنتاجية القائمة لدى الجانبين، من خلال إقامة اتجاهات جديدة في الاقتصاد الأوزبكي من ناحية، ولتعزيز الشراكة التجارية والاقتصادية والإنتاجية المشتركة من ناحية أخرى. لأن مصر تعتبر الشريك التجاري والاقتصادي الهام والدائم لأوزبكستان، ونقطة انطلاق لتوسيع الصادرات الأوزبكستانية إلى منطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، ودول حوض البحر الأبيض المتوسط، وتعزيز التبادل التجاري معها. وهو الدور ذاته الذي يمكن تلعبة سورية في المستقبل بعد ربط خطوط السكك الحديدية الإيرانية والسورية عبر العراق، لتصبح السكة الحديدية المارة عبر تركمانستان وإيران والعراق وسورية منفذاً جديداً وقصيراً ومنخفض التكاليف لأوزبكستان وآسيا المركزية إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، القريبة من موانئ البحر الأحمر وشرق إفريقيا عبر قناة السويس، خاصة وأن شبكات السكك الحديدية في آسيا المركزية مربوطة بالسكك الحديدية الإيرانية منذ سنوات. وهذا بطبيعته سيعزز من الدور المصري كمنفذ إلى القارة الإفريقية في السياسة الاقتصادية الخارجية لأوزبكستان. وهو ما سيساعد أيضاً على المحافظة وتدعيم الاستقرار ويؤمن التوازن الاقتصادي الذي يعتبر الاتجاه الرئيسي في سياسة القيادة المصرية.12
ومن نظرة في مستقبل تطور العلاقات الإيجابية بين أوزبكستان ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من الدول العربية، نرى مدى تعزيز موقع جمهورية أوزبكستان على الساحة الدولية، وتعزيز علاقاتها الاقتصادية الخارجية التي ستتحول إلى واحدة من أهم حقائق نجاح التعاون الاقتصادي بين العديد من الدول الفتية، ومن بينها أوزبكستان، التي تحولت بالتدريج إلى اقتصاد السوق وقانون العرض والطلب.
وعلى مثال الخبرة المصرية نرى أن استقرار العلاقات الاقتصادية الخارجية مرتبط قبل كل شيء بتطوير البنية التحتية للاقتصاد الوطني، وليس بالإمكانيات التي توفرها الموارد التي تحصل عليها من المصادر الخارجية. وأنه من المهم إجراء تعديلات وإصلاحات تنظيمية في الوقت المناسب مواجهة متطلبات تطوير المجالات الاقتصادية التي تحد من الاستيراد كالتوسع في الزراعة وتطويرها، والصناعات الكيماوية، وصناعة الإسمنت ومواد البناء، والصناعات الغذائية، التي تعتمد على المواد الأولية المحلية بشكل أساسي، والعمل على توجيهها باستمرار نحو التصدير. والعمل على حل مشكلة الاعتماد على الاستيراد الضرورية التي تتطلب صرف عملات صعبة كثيرة من أجل شراء المعدات والآلات والتكنولوجيا المتقدمة وغيرها التي ترتفع أسعارها باستمرار، والمستوردة من الدول المتقدمة، واللازمة للإنتاج المحلي، وهو ما يؤثر على الاحتياطي القومي من العملات الصعبة، ويجعله في موقف حرج إن لم تتوفر سلع التصدير المنتجة محلياً وفق مقاييس الجودة العالمية.
ومن الخبرة العربية أيضاً نرى محاولة الحكومة الأردنية وسعيها لتجنب تعميق العلاقات الاقتصادية غير المرغوب فيها، فنرى أنها قامت ببناء شبكة من العلاقات الاقتصادية مع الدول الأخرى، مبنية على أساس مبادئ المساواة والمنفعة المتبادلة، واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لشركائها.
وتنظر أوزبكستان اليوم إلى الخبرة الأردنية في مجال الصناعة باهتمام كبير. وتتابع الطريقة التي تتجاوز بها الحكومة الأردنية ضيق أفق وأحادية الجانب في إنتاج بعض المنتجات للتخلص من الاستيراد، وسيعها الدائم على تشجيع المنتجات التي توسع الصادرات الأردنية، ووضعها لخطط التصنيع اللازمة لها، وخطط التنمية الصناعية التي بفضلها تتطور الأردن، وتتلخص بالتالي: حصر الوظيفة الأساسية للدولة في عملية التصنيع، بإقامة وتوفير الجو الاقتصادي المنتج والسليم في الأردن، وإفساح المجال أمام الاستثمارات الخاصة لتعمل على تطوير الصناعة المحلية بنجاح في إطار القطاع الخاص؛ حصر القطاع الحكومي في الصناعات الضرورية ذات الفاعلية الاقتصادية المنخفضة والتي بسببها تتعرض للخسارة الدائمة، وإعطاء المنشآت الاقتصادية الإنتاجية الرابحة للقطاع الخاص، أو تخفيض عدد التابع منها للقطاع العام.
وحددت التجربة الأردنية دور ووظيفة الدولة في عملية التصنيع الوطنية بثلاث إتجاهات رئيسية، وهي: إعداد شروط وحدود اللعبة الاقتصادية التي يمكن أن يلعبها رجال الأعمال الأردنيون، وطرق مراقبتهم بعد ذلك للتأكد من احترامهم وتقيدهم بتلك القواعد؛ وقيام الدولة بتأمين خدمات محددة لرجال الأعمال، وتعتبر ضرورية لهم، وخاصة منها التي لا يمكن أن يوفرها رجل الأعمال لنفسه، أو لا يريد توفيرها، أو بسبب ارتفاع نفقاتها وانخفاض عائدها الاقتصادي، والمجازفة وغيرها من الأسباب؛ وقيام الدولة بتوفير إمكانيات تحقق سياسة اقتصادية شاملة عامة، في الإطار الذي يحقق عملية التصنيع: من قروض التمويل والتسهيلات الضريبية والنقدية، وتذليل عقبات التجارة الخارجية وغيرها من الحوافز المشجعة.
وعند الحديث عن الترشيد الاجتماعي وامتصاص اليد العاملة العاطلة عن العمل لابد أن نذكر الإستراتيجية المصرية في مجال الترشيد الاجتماعي التي تتمتع بأهمية خاصة لدى الباحثين في أوزبكستان، والطريقة التي اتبعتها مصر لإعداد واستخدام احتياطي اليد العاملة الهائل في البلاد، واستخدامه في مجالات تجلب الأرباح الكبيرة من السياحة الأجنبية، إلى جانب تطوير الزراعة، وتطوير الصناعات الصغيرة والمهن اليدوية والحرفية، والمهن الخدمية. وهو أمر طبيعي لدولة مثل مصر تتجه فيها خطط التنمية الاجتماعية نحو حل المشاكل السياسة الاجتماعية قبل سواها، وتهيئة السبل والإمكانيات للاستخدام الأمثل للعمالة في المدن والريف على حد سواء.
وهي لذلك عمدت إلى إقامة مراكز صناعية في مراكز المناطق والمحافظات، وعملت على تطوير العمل الحر الصغير والمتوسط، ووضعت السياحة في صلب اهتمام الحكومة المصرية. وتركت الدور الكبير والهام للقطاع الهامشي أي لأصحاب المهن والمحلات الصغيرة الذين يلعبون دوراً كبيراً في اقتصاد مصر التي تنتمي لقائمة بلدان الإنتاج الصغير منذ القدم، وينظر إليه على أساس أنه جزء لا يتجزأ وهام في عملية النمو الاقتصادي الحديث في تلك الدول، ويعتبر مصدراً هاماً وشكلاً مقبولاً بطبيعته، لأنه لا يعتمد على الاستيراد بل على الخامات والتكنولوجيا المحلية، وهو بذلك يشكل عامل هام من عوامل ترشيد الاقتصاد الوطني، ويأخذ باعتباره قانون العرض والطلب على السلع والخدمات المنتجة ويلائم أوضاعه معها ومع الموارد الإنتاجية الصغيرة بسرعة فائقة.
وخبرة جمهورية مصر العربية بالنسبة لأوزبكستان تتمتع بأهمية كبيرة وخاصة في مواضيع تعزيز وتوسيع العلاقات الاقتصادية الخارجية، والسعي لوضع العلاقات الاقتصادية الخارجية في الخدمة الفعلية للاقتصاد الوطني. لأن مصر تملك عدد من العوامل الاقتصادية الخاصة التي تساعد على تطوير العلاقات الاقتصادية الأوزبكستانية المصرية. فمصر يمكن أن تصبح السوق الفعلية والدائمة لتسويق بعض البضائع والخدمات المحددة والمنتجة في أوزبكستان، كما هي الحال اليوم. وهذا بدوره ينطبق على آسيا المركزية بشكل عام وأوزبكستان بوجه خاص، وبحد ذاته يفسر أسباب اهتمام جمهوريات آسيا المركزية بالعلاقات مع الدول العربية ومن بينها مصر.
أما فيما يتعلق بدول شبه جزيرة العرب فإننا نلاحظ أن دور دول مجلس التعاون الخليجي العربية التي تربطها بأوزبكستان علاقات مالية واقتصادية وتجارية مرشحة للتوسع المستمر، بسبب الموقع الجغرافي الهام الذي تشغله دول هذا المجلس وقربها من آسيا المركزية، وإطلالها على بحر العرب والمحيط الهندي وبالتالي على بحار ومحيطات العالم. إضافة لتركّز مراكز الترانزيت العالمية في موانئها، وخاصة موانئ دولة الإمارات العربية المتحدة.
وسوق الذهب في الدول الخليجية العربية يعتبر من الأسواق الهامة للذهب المكتشف والمستثمر جزئياً في أوزبكستان، وهناك مناجم لـ 96 معدناً من بينها التيتان والمنغنيز والفضة والنحاس والزنك والسترونتيوم واليورانيوم وغيرها من المعادن، التي يمكن أن تكون المجال الرحب للاستثمارات المالية الخليجية العربية، إلى جانب الخبرات العلمية الأوزبكستانية وتكنولوجيا الدول المتقدمة في العالم، خاصة بعد أن أرسيت القواعد القانونية الملائمة لمشاركة المستثمرين الأجانب في استثمار وتطوير هذا الاتجاه الهام في الاقتصاد الوطني الأوزبكستاني.
وعند التحدث عن الخبرات العلمية والتكنولوجية لابد من التطرق إلى الخبرات الأوزبكستانية التي تشغل موقعاً هاماً اليوم بالمقارنة مع الدول المجاورة لها، فالقاعدة العلمية والتكنولوجية المتطورة التي تملكها أوزبكستان، ومن ضمنها عشرات المؤسسات العلمية المتخصصة، ومؤسسات التعليم العالي، وعشرات مراكز البحث العلمي التابعة لمجمع العلوم في الجمهورية، شاركت كلها خلال العهد السوفييتي ولم تزل في إعداد الكوادر العلمية المدربة للعديد من الدول العربية منذ أواسط ستينات القرن العشرين، هذا إن لم نشر إلى الدور الهام الذي لعبته في تأسيس مراكز البحث العلمي ومؤسسات التعليم العالي في جمهوريات آسيا المركزية منذ مطلع القرن العشرين. وتشكل كلها اليوم قاعدة صلبة للتعاون العلمي المشترك والمثمر مع المؤسسات العلمية العربية في جميع الاتجاهات العلمية والتقنية، التعليمية والبحثية.
والتعاون يمكن أن يشمل ليس إعداد الكوادر العلمية والتقنية وحسب، بل وفي سد احتياجات بعض الدول العربية وخاصة دول الخليج العربية من اليد العاملة الخبيرة والمدربة، من فائض اليد العاملة في جمهورية أوزبكستان. هذا الفائض الذي تشكل نتيجة للسياسة السوفييتية التي طبقت في آسيا المركزية بشكل عام وأوزبكستان بشكل خاص التي يشكل سكانها الثلاثة والعشرون مليوناً 40 % من سكان آسيا المركزية مجتمعة.
وبرأيينا تتميز دول مجلس التعاون الخليجي عن غيرها من الدول العربية، بجملة من المزايا تدفعها إلى مصاف الدول التي تتمتع بالأولوية في التجارة والاستثمار والتعاون المالي والاقتصادي ليس في أوزبكستان وحدها، بل وفي دول آسيا المركزية برمتها. مستفيدة من مشجعات الاستثمار في المنطقة ولا سيما الحوافز الاستثمارية المطبقة في أوزبكستان. ويمكن التكهن بالنتائج الهامة التي يمكن أن يحصل عليها الجانبان لو تمت الاستفادة من الخبرة الواسعة لدول مجلس التعاون الخليجي العربية في مجال السياسة المالية الخارجية والاستثمار في الدول الأجنبية. إضافة إلى دورها الفاعل في المنظمات الإقليمية العربية ومؤسسات التنمية الاقتصادية الدولية، ودورها الهام كأكبر المتبرعين في العالم لتمويل المشاريع الإنسانية الدولية، ومشاريع التطوير الاجتماعي والاقتصادي في مختلف أنحاء العالم.
وعن تشجيع الاستثمار في أوزبكستان، تحدث رئيس الجمهورية إسلام كريموف، وهو مهندس وواضع أسس ومبادئ سياسة التطور الاقتصادي في الجمهورية، ومبادئ السياسة الاقتصادية الخارجية فيها، وأشار إلى أن: "أوزبكستان تتبع سياسة الأبواب المفتوحة مع أولئك المستثمرين الأجانب الذين يقدمون للجمهورية التكنولوجيا المتقدمة بمستوى عالمي، ويساهمون في بناء البنية الحديثة للاقتصاد الوطني".13
وقد اتخذت بالفعل جملة من الإجراءات القانونية المشجعة للشركات والمؤسسات الأجنبية، والضامنة للاستثمارات الأجنبية في جمهورية أوزبكستان. ونعتقد أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي العربية مؤهلة للاستثمار في القطاعات الحيوية للاقتصاد الوطني الأوزبكستاني، التي تستخدم فيها الخبرات والخامات المحلية وتوفر المزيد من فرص العمل للأيدي العاملة الفائضة في سوق العمل المحلية، ولها مصلحة بالاستثمار في المنطقة والتثبت فيها اقتصادياً، وإتباع سياسة اقتصادية تعود بالفائدة المشتركة على دول المجلس، ودول آسيا المركزية على حد سواء، تعزيزاً للمصالح القومية المشتركة للجانبين. من ضمن سياسة مدروسة تعيد الصلات التي قطعت قسراً منذ أكثر من قرن تقريباً، بدأ مع الاحتلال الروسي للمنطقة في القرن التاسع عشر، وثبتته السلطة السوفييتية، بإغلاق المنطقة تماماً أمام دول المشرق العربي وخاصة أمام معظم دول شبه جزيرة العرب.
وكمثال بسيط لا أكثر يمكن ذكر الاستثمارات العربية الأوزبكستانية في مجال الثروة الحيوانية وإنتاج اللحوم والألبان، وتصنيع المنتجات الزراعية من خضار وفواكه وتجهيزها للتصدير، التي يمكن أن تحول أوزبكستان إلى مستودع ثابت للمواد الغذائية الجيدة والرخيصة، يوفر الأمن الغذائي ويسد احتياجات السوق الخليجية العربية لسنوات عديدة في المستقبل. ويجني أرباحها الطرفين على حد سواء، وفي هذا مصلحة مشتركة للاقتصاد القومي الأوزبكستاني، وللدول العربية على حد السواء.
هوامش:
[1] أ.د. محمد السيد سليم، أ.د. نعمة الله إبراهيموف، د. إبراهيم عرفات، د. صالح إنعاموف: أوزبكستان: الدولة والقائد. القاهرة: مطابع الشروق، 1999؛ ود. زاهد الله إنعام خواجة، د. محمد البخاري: أوزبكستان والعرب: آفاق التعاون. القاهرة: مجلة السياسة الدولية، العدد 128/1997 أبريل/نيسان. ص 192-195؛ و
- Мунавваров З. Узбекистан и арабский мир: перспективы сотрудничества. Т: Фан, 1997.-С. 7-8.
[2] - Каримов И.А. Узбекистан на пороге XXI века: угрозы безопасности, условия и гарантии прогресса. – Т: Узбекистан, 1997.- с. 12; Узбекистан овази, 15.04.1992.
3 - The Oxford Encyclopedia of the Modern Islamic world. New York-Oxford. Oxford University Press, 1995. Volumes 1,2,3,4.
4 أ.د. محمد السيد سليم، أ.د. نعمة الله إبراهيموف، د. إبراهيم عرفات، د. صالح إنعاموف: أوزبكستان: الدولة والقائد. القاهرة: مطابع الشروق، 1999. ص 116-121.
5 - كومباس. رقم 18، ИТАР-ТАСС، 1996-29 أبريل/نيسان. ص 31.
6 - Internet. BBC Online Network. Friday, February 5, 1999. Egypt.
7 - UN World Population Prospects. World Bank, World Tables of 1996, 1997.
8 - Stfnley F., Dani R. The Economics of the Middle East Peace. MIT Press, Washington, 1993, p. 181.
9- Long E. David, Reich Bernard. The Government and Politics of the Middle East and North Africa. Wtstview Press, USA, 1995, p. 225.
10 نفس المصدر السابق. ص 313.
11 - Dallas Ronald. The Economic Pocket of Middle East and North Africa. Printed in Washington, USA, p. 18-23.
12 - Internet. BBC Online Network. Thursday, February 4, 1999. Egypt.
13- إسلام كريموف: أوزبكستان على طريق تعميق الإصلاحات الاقتصادية. طشقند- أوزبكستان 1995 ص 107.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق