الجمعة، 3 مايو 2013

أول ضابط يرفع العلم السوري بعد الاستقلال



تحت عنوان "أول ضابط يرفع العلم السوري بعد الاستقلال" كتب عمر المالكي، لا يمكن وصف الشهيد عدنان المالكي بكلمات، مسيرته القصيرة التي امتدت على مدى ستة وثلاثين عاماً، كانت قصةً من النجاح والصمود اغتيلت بأيد خبيثة. وهو: عدنان بن محمد شمس الدين بن عمر بن إبراهيم المالكي، من عائلة تفخر بأصولها الإسلامية والدمشقية العريقة، ولد في شهر رمضان من عام 1338 هـ الموافق لعام 1919 م، في حيّ الشاغور، ثم انتقل مع عائلته إلى حيّ المهاجرين، حيث جاور منزل الشهيد يوسف العظمة، وفي عام 1920 خرج والده وشقيقه الأكبر فؤاد للمشاركة مع المتطوعين في الدفاع عن شرف الوطن في أرض ميسلون.


عُرف الشاب عدنان بجده وتفوقه بين زملائه في سنوات دراسته المختلفة، ولازمه هذا التفوق طوال مسيرته الدراسية والعسكرية فيما بعد، فمنذ أن كان طالباً عزم على أن يكون عسكرياً يدافع عن حقوق وطنه، وأثناء دراسته الثانوية تقدم إلى مسابقة لدخول الكلية العسكرية مستغلاً تكبير سنه في قيد النفوس آنذاك، وحاز على الدرجة الكاملة والمرتبة الأولى بين المتقدمين، ولمل التحق وجد مدير المدرسة الحربية، أن هذا الشاب لم يبلغ السن اللازم رغم أنه الأول بين المتقدمين، فأردئ دخوله إلى السنة المقبلة مع إعطائه حق الالتحاق دون خوض المسابقة التالية. ونال الشهادة الثانوية عام 1937 م، والتحق في نفس العام بالكلية العسكرية في حمص، مستفيداً من المعاهدة السياسية التي أبرمتها سورية مع فرنسا عام 1936 والتي تنص على تدريب القوات السورية وتسليمها أمرة الجيش فيما بعد، وتخرج عام 1939 برتبة مرشح ضابط، ورفع إلى رتبة ملازم ثاني في عام 1940، وكلف بتدريب الجنود والرقباء، ثم عين مدرباً في الكلية العسكرية، وعرف عنه في تلك المرحلة التجرد والتفاني في أداء الواجب العسكري. واصطدم خلال السنوات التي سبقت عام الاستقلال مع رؤسائه من الضباط الفرنسيين، ودافع خلالها عن مواقفه الوطنية الواضحة في أكثر من مناسبة، ولعل أبرزها عندما قام وزميله الملازم أول هشام السمان بنزع صورة الجنرال ديغول من صدر قاعة الاجتماعات في الثكنة العسكرية، التي يؤديان فيها الخدمة، ووضعا مكانها صورة للرئيس السوري شكري القوتلي، فصدر أمر بنقل الضابطين المتمردين إلى بيروت لمحاكمتهما، ولكن الاضرابات وتفاقم الأحوال السياسية حالا دون إجرائها.
واستقال الملازم ثاني عدنان المالكي عام 1945 من خدمة القوات الخاضعة لأمرة القيادة الفرنسية والتحق بالقوات الوطنية نواة الجيش العربي السوري، التي شكلتها الحكومة السورية، واشتبكت خلالها مع القوات الفرنسية قبل الاستقلال عام 1946، وبعد الاستقلال وقع الاختيار عليه، وكان عضواً في لجنة استلام القطع العسكرية من السلطات الفرنسية، وكرم الملازم عدنان المالكي بمناسبة جلاء آخر جندي فرنسي، وكان أول ضابط يحمل العلم السوري في الاستعراض العسكري الذي أقيم بهذه المناسبة يوم 17/4/1946.

  

هذه البداية المشرفة دفعت الملازم عدنان للاستمرار على درب الجد والاجتهاد، ولم تكد أفراح الاستقلال تنتهي؛ حتى عين "المالكي" مديراً لأول مدرسة عسكرية لتدريب وتخريج الدفعات الأولى والكبيرة من صف الضباط، الذين كانت الحكومة الوليدة بحاجة ماسة إلى سواعدهم وإخلاصهم، فعمل المالكي على تشجيع المواطنين على إرسال أبنائهم لخدمة الوطن سواءً العسكرية أو الإدارية، ولعل أثمن ما قام به في تلك الفترة هو تعريب الأنظمة العسكرية، لتدريسها لطلاب المدرسة، وسهر مع معاونيه الليالي الطويلة فاستحقوا الثناء من رئاسة الأركان العامة، وخاصة بعد تأليف كتاب من ثلاثة أجزاء لتدريسه في المدارس العسكرية، وبعد كتاب "رتيب المشاة" أول كتاب عسكري طبع بعد الاستقلال باللغة العربية.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1946 و1948 انتقل المالكي من المدرسة العسكرية، إلى الكلية العسكرية في حمص كآمر لدورة الطلاب المستجدين فيها، وتشهد له تلك المرحلة بنجاحه وقدرته على البناء والقيادة، وتشهد الأقلام الكثيرة التي عاصرته أنه استطاع كسب الأفئدة ورفع همم طلابه ومرؤوسيه، وعند الاعلان عن قيام الكيان الصهيوني، دخل الضابط الشاب صداماً جديداً مع أعداء وطنه. وكلفه الضابط الآمر حسني الزعيم بقيادة سرية للمشاة، والسيطرة على تلة تدعى تل أبو الريش كأول مهمة له على الجبهة الجنوبية، وكانت التلة تطل على مستعمرة صهيونية سيطر عليها جنود سوريون بقيادة المقدم المغوار محمود بنيان، وهذه المهمة أظهرت الشخصية العسكرية المحنكة للمالكي. وبعد سيطرته على التلة التي سميت فيما بعد باسم تل المالكي، قام العدو بخرق الهدنة وأصيب المالكي بشظايا قنبلة أطلقت عليه، وأصابته من الخلف أسفل رأسه، في نفس المكان الذي اغتالته رصاصة الغدر لاحقاً. وأسعف المالكي إلى دمشق وخضع لعملية في رأسه لإخراج الشظايا المتناثرة من جسمه، ولقب بعد نجاح هذه العملية بالشهيد الحي، ولم تكن جراحه تلتئم حتى عاد الضابط عدنان المالكي إلى ميدان الشجاعة، وتسلم قيادة فوج من الفلسطينيين الذين قام بتدريبهم خلال فترة الهدنة، لدعم جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، الذي حوصرت قواته في منطقة الجليل الأعلى، فدخل المالكي عبر الأراضي اللبنانية واستطاع فك الحصار وإنقاذ جيش الإنقاذ. وأثناء عودته سجل المالكي نصراً جديداً يدل على حنكته وحسن قيادته للفوج، فقد تعرض الفوج الذي يقوده للحصار من قبل الجيش الصهيوني وخشيت القيادة العسكرية أن يقع جنود وضباط الفوج في الأسر، ودام الحصار الذي ضربته القوات الإسرائيلية عدة أيام وليال، وكانت المفاجأة أن الرئيس المالكي "رتبة رائد" كما تسمى اليوم، استطاع أن يكسر الحصار ويعود بالفوج سالماً دون وقوع أي خسائر في الأرواح. واستقبل عدنان المالكي في القصر الجمهوري استقبال الأبطال، وكان في مقدمة المهنئين رئيس الجمهورية، ووزير الدفاع، وعدد كبير من ضباط القيادة والأركان العامة، وحاز على عدة أوسمة تقديرية، وبلغت عند نهاية مسيرته الغنية سبعة أوسمة هي: وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى، ووسام الاستحقاق اللبناني، والوسام الحربي، ووسام جرحى الحرب في سورية، ووسام فلسطين التذكاري، "وميدالية فلسطين التذكارية، ووسام الكوكب الأردني، وأشرفها وسام الشرف العسكري بعد استشهاده.

وأوفد المالكي إلى فرنسا عام 1949، وفي عام 1950 رقي إلى رتبة مقدم وتسلم إدارة الشعبة الثالثة في الأركان العامة، وهي الشعبة التي تختص بشؤون التدريب والعمليات العسكرية، وفي عام 1951 أوفد المقدم عدنان إلى فرنسا مرة أخرى من أجل الدراسة التخصصية في المدرسة الحربية العليا في باريس، وكان إيفاده في تلك المرحلة يأتي من قبل الزعماء والجهات المتصارعة على السلطة، للتخلص من مواقفه الواضحة إزاء الأحداث الجارية. وعاد المقدم المالكي إلى دمشق، وأسندت إليه رئاسة تفتيش الجيش والقوات المسلحة، وبعد أن اصطدم مع العقيد أديب الشيشكلي، قام الشيشكلي بتسريحه وأدخله مع عدد من الضباط الوطنيين إلى سجن المزة، وبقي فيه سبعة أشهر يعلم زملاءه معنى الصبر والإصرار، وبعد استقالة الشيشكلي، أعيد المالكي إلى الخدمة في الجيش، ورقي إلى رتبة عقيد، وأسندت إلى العقيد الركن عدنان المالكي رئاسة الشعبة الثالثة، في عام 1954 وخلال هذه الفترة حاولت جهات عدة جر الضابط الواعد إلى تياراتها السياسية، ولكنه رفض إدخال نفسه أولاً والجيش ثانياً ضمن التقسيمات السياسية، مع دعمه للقوى والأحزاب الوطنية والتقدمية، وبعد فشل الأحزاب والتحالفات الخارجية من تهميش العقيد المالكي أو تجنيده لخدمة أهدافها الرخيصة، عمدت هذه الجهات إلى التخطيط لاغتيال العقيد المالكي ووضع حد لمسيرته المشرفة. وبتخطيط غادر وبأيدي غبية، امتدت رصاصات مسمومة إلى رأس الشهيد عدنان المالكي، كخنجر مسموم يبتر مستقبلاً واعداً، وينهي قصة نجاح عنوانها الصدق والوضوح، وكان ذلك في يوم الجمعة الواقع في 22/4/1955، حيث اغتيل العقيد عدنان المالكي أثناء حضوره مباراة لفريق الجيش السوري وفريق حفر السواحل المصري.

واستنكرت دمشق والمحافظات السورية والدول العربية عملية الاغتيال الغادر، وشيعته عشرات الآلاف من الجماهير إلى مدفن العائلة في حي المهاجرين، حيث يرقد جثمانه الطاهر اليوم في متحف الساحة التي حملت اسمه، ساحة الشهيد عدنان المالكي، وكان لاغتيال المالكي وقع كبير على الحياة السياسية في سورية، وتبادلت القوى الاستعمارية أصابع الاتهام في اغتياله.

قالوا في تأبين الشهيد عدنان المالكي:

الرئيس شكري القوتلي: "لقد قضى شهيدنا في سبيل وحدة الأمة العربية ومجدها وبذل روحه لهذه الغاية المثلى فحقق الله لنا هذه الأمنية وهيأ لنا ما تصبو إليه من وحدة وكرامة".

الرئيس جمال عبد الناصر: "قتل الضابط عدنان المالكي بواسطة الاستعمار وأعوان الاستعمار لأنهم يعتبرونه خطراً على أهدافهم الاستعمارية.

عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: "لم يصدع استشهاد هذا الفقيد العظيم قلوب الشعب السوري وحده، ولكنه كان خطباً جليلاً صدع قلوب الشعوب العربية التي تخلص للعروبة، وتؤمن بها وتقيم حياتها على التضامن العربي الخاص المتين النقي من كل شائبة".

الشيخ عبد العزيز بن زيد (السعودية): "هز مصرع العقيد الركن المجاز عدنان المالكي العرب في أقصى أمصارهم كما راعهم في أدنى أقطارهم، فشملهم الأسى عليه، الجيش العربي السوري يحيي ذكرى استشهاده وهم أشد ما يكونون بحاجة إليه، إلى بطولته، إلى رجولته، إلى مروءته، إلى عبقريته، إلى إيمانه الراسخ".

الشيخ المجاهد محمد الأشمر: "هالني مصرع البطل، وقد شهدت مصرع الكثير من الأبطال، وما كان ليهولني لو أنه قتل بيد عدو غاشم".

المراجع:

رياض المالكي: سبرة الشهيد عدنان المالكي. دار طلاس. الطبعة الأولى، 2005.

رياض المالكي: ذكريات على درب الكفاح والهزيمة. مطبعة الثبات، 1972.

محمد نمر المدني: عدنان المالكي.. ثلاث رصاصات في الملعب البلدي. الدار الحديثة، 1996.



هناك تعليقان (2):